قطعٌ تام للأوصال، وإهمالٌ يرتخي فوق أجساد العابرين ككفنٍ من تراب؛ هذا هو المشهد اليوم على طريق أبو خشب، شريان الحياة الوحيد الذي يربط ريف دير الزور بالحسكة والمناطق الشمالية الشرقية. هذا الطريق ليس مجرد ممر إسفلتي، بل هو النبض الذي يغذي آلاف العائلات بالدواء، والغذاء، والطبابة، والتبادل التجاري اليومي.
اليوم، يتحول هذا الشريان إلى مصيدة للموت بسبب “فيضان” الكثبان الرملية وزحف السافي الذي يبتلع السيارات ويقطع أوصال المنطقة بالكامل، في ظل غياب تام وأشبه بالمتعمد لأي خطط صيانة أو تدخل إسعافي.
رسالة إلى الجهات الحكومية السورية
أين هي المؤسسات والوزارات المعنية مما يحدث في شرق البلاد؟ إن ترك طريق استراتيجي وطبيعي كطريق أبو خشب لقمة سائغة للرمال الزاحفة، دون آليات تزيح الموت عن عابري السبيل، هو تجسيد حي لسياسة التخلي واللامبالاة. إن تقاعس الأجهزة الحكومية وصمتها أمام استغاثات الأهالي المقطوعين في وسط الصحراء لم يعد مجرد تقصير إداري، بل هو مشاركة فعلية في حصار المواطن وخنق ما تبقى له من سبل للعيش. الجباية والوعود الرنانة تحضر دائماً، بينما تغيب الجرافات وفرق الطوارئ عندما يتعلق الأمر بإنقاذ حياة البشر.
مأساة نهر الفرات: الموت غرقاً وجفافاً
وفي الوقت الذي تبتلع فيه الرمال العابرين على الطرقات، يكتمل المشهد المأساوي على ضفاف نهر الفرات. النهر الذي كان رمزاً للحياة والعطاء، بات اليوم يروي قصة فاجعة مزدوجة؛ فبين انخفاض منسوبه إلى حد الجفاف المتعمَّد الذي يهدد مياه الشرب والزراعة، وبين الفيضانات السيليّة المفاجئة التي تجتاح الأراضي المحيطة به بسبب سوء الإدارة وغياب السدود التجميعية المنظمة، يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بين فكي كماشة:
الموت عطشاً وتلوثاً عندما تتراجع المياه وتحتضر المحاصيل.
الموت غرقاً وفقداناً للممتلكات عندما تفيض قنواته بشكل عشوائي دون مصدات أو إغاثة.
إنها لوحة سريالية شديدة السواد؛ شرقٌ سوري يغرق في فيضان مياه الفرات الملوثة تارة، ويختنق تحت فيضان رمال السياسة والإهمال تارة أخرى، بينما تبقى الجهات المسؤولة في موقع المتفرج، تاركةً الأهالي يواجهون مصيرهم المعزول والمظلم بمفردهم.